المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وكم خروف نهشناه بأيدينا !! مقال رائع


wegoo
23-03-2007, 11:17 PM
د. عائض القرني




إذا ركبت مع أوربي وجدته خانساً منغمساً يقرأ في كتاب* وإذا ركبت مع عربي وجدته يبصبص كالذئب العاوي* أو كالعاشق الهاوي* يتعرف على الركاب* ويسولف مع الأصحاب والأحباب. بيننا وبين الكتاب عقدة نفسية* ونحن أمة (اقرأ)* ولكن ثقلت علينا المعرفة* وخف علينا القيل والقال* ولو سألت أكثر الشباب: ماذا قرأت اليوم ؟ وكم صفحة طالعت ؟ لوجدت الجواب: صفر مكعَّب* مع العلم أن غالب الشباب بطين سمين ثخين بدين* لأنه مجتهد في تناول الهنبرقر والبيتزا* وكل ما وقعت عليه العين ووصل إلى اليدين:

* سل الصحون التباسي عن معالينا ـ واستشهد البَيْضَ هل خاب الرجا فينا


* كم (كبسة) شـهدت أنا جحافلهـا ـ وكـم خـروفٍ نـهشناه بـأيدينا.


يحتاج شبابنا إلى دورات تدريبية على القراءة* لأنهم وزّعوا الأوقات على السمر مع الشاشات* أو التّحلق على الكبسات* أو متابعة آخر الموضوعات. الإنسان بلا قراءة قزم صغير* والأمة بلا كتاب قطيع هائم* طالعت سِيَر العظماء العباقرة فإذا الصفة اللازمة للجميع مصاحبتهم للحرف* وهيامهم بالمعرفة وعشقهم للعلم* حتى مات الجاحظ تحت كتبه* وتوفي مسلم صاحب الصحيح وهو يطالع كتاباً* وكان أبو الوفاء ابن عقيل يقرأ وهو يمشي* وقال ابن الجوزي: قرأت في شبابي عشرين ألف مجلده* وقال المتنبي: وخير جليس في الزمان كتاب* سألت شباباً عن مؤلفي كتب مشهورة فجاءت الإجابات مضحكة* قال صاحب كتاب فن الخطابة: العظمة هي قراءة الكتب بفهم* وقال الروائي الروسي الشهير تيولوستي: قراءة الكتب تداوي جراحات الزمن* وقال الطنطاوي: أنا من ستين سنة أقرأ كل يوم خمسين صفحة ألزمت نفسي بها:

* جمالَ ذي الدارِ كانوا في الحياةِ وهمْ ـ بعدَ المماتِ جمالُ الكتبِ والسيَرِ.


صح النوم يا شباب فقد انقضى العمر* وتصرّمت الساعات* وقتل الزمان بالهذيان وأماني الشيطان وأخبار فلان وعلاّن* استيقظوا يا أصحاب الهمم الهوامد* والعزائم الخوامد* والذهن الجامد* والضمير الراقد:

* وَلَو نار نفخت بِها أَضاءَت ـ وَلَكن أَنتَ تَنفخ في رَمادِ.


قاتل الله التسويف والإرجاف* وسحقاً لمن زرع شجرة «ليت» لتثمر له «سوف»* وتخرج له «لعلَّ» ليذوق الندامة:

* وَمُشَتَّتِ العَزَماتِ يُنفِقُ عُمرَهُ ـ حَيرانَ لا ظَفَرٌ وَلا إِخفاقُ.


حيّا الله الهمم الشماء* والعزيمة القعساء* التي جعلت أحمد بن حنبل يطوف الدنيا ليجمع أربعين ألف حديث في المسند* وابن حجر يؤلّف فتح الباري ثلاثين مجلداً* وابن عقيل الحنبلي يؤلف كتاب الفنون سبعمائة مجلد* وابن خلدون يسجّل اسمه في عواصم الدنيا* وابن رشد يجمع المعارف الإنسانية:

* لولا لطائف صنع الله ما نبتتْ ـ تلك المكارم في لحمٍ ولا عصبِ.


وددتُ أنَّ لنا يوماً في الأسبوع يخصص للقراءة* ويا ليتنا نبدأ بمشروع القراءة الحرّة النافعة عشر صفحات كل يوم تُقرأ بفهم من كتاب مفيد لنحصد في الشهر كتاباً وفي السنة اثني عشر كتاباً* ولتكن قراءة منوّعة في ما ينفع لتتضح أمامنا أبواب المعرفة وتتسع آفاقنا* وتُنار عقولنا. فيا أمة (اقرأ) هيا إلى قراءة راشدة* واطلاع نافع* وثقافة حيّة* ومعرفة ربانية* وسوف تنتهي بكم التجارب إلى أن الكتاب خير جليس* وشكراً للأمير بن صمادح حيث يقول:

* وزهدني في الناس معرفتي بهم ـ وطول اختباري صاحباً بعد صاحبِ


* فلم ترني الأيام خلاًّ تسرني ـ مباديه إلاّ ساءني في العواقبِ


* ولا قلت أرجوه لكشف ملمةٍ ـ من الدهر إلاّ كان إحدى المصائبِ!


* فليس معي إلاّ كتاب صحبته ـ يؤانسني في شرقها والمغاربِ.