محمد درويش آل محفوظ
25-11-2003, 12:29 PM
خطاب بوش: الإخضاع الاستعماري تحت ستار الديمقراطية
عندما ألقى الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش يوم الخميس الماضي 6 نوفمبر 2003م خطابه أمام «المعهد أو الصندوق الوطني للديمقراطية» بواشنطون* وهي هيئة تشكل أحد معاقل المحافظين الجدد الموالين لإسرائيل والذين يهيمنون على صناعة القرار السياسي في إدارة بوش* وهو الخطاب الذي أعلن فيه تبني إدارته لخطة طويلة الأمد تمتد حتى عام 2025 من أجل نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط وبلدان العالم العربي والإسلامي* تذكرت على الفور المذكرة السرية التي وزعها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد على كبار العسكريين في البنتاجون وكشف النقاب عنها في 22 اكتوبر 2003م* التي دعا فيها الى إحداث تغيير سياسي من أجل النجاح في «الحرب ضد الإرهاب»* وذلك عبر التركيز على «حرب الأفكار وكسب العقول والقلوب». فقد أدركت على الفور أن حديث بوش المعسول المفعم بالوعود واللغة الدعائية ليس إلا جزءا من التحرك الجديد للمحافظين الجدد لإكساب حربهم ضد الإرهاب* والمستهدف فيها العالم العربي والإسلامي* زادا أو مددا ومبررات جديدة عبر محاولة التركيز على «حرب الأفكار وكسب العقول والقلوب» كما جاء في مذكرة رامسفيلد التي صاغها له المحافظون الجدد الذين يهيمنون على إدارة البنتاجون. وكان رامسفيلد قد دعا الى إقامة وكالة معلومات تابعة للحكومة الأمريكية للمساعدة في شن «معركة العقول»* باعتبارها ضرورة في الحملة ضد الإرهاب. واعتبر رامسفيلد في حينه «ان هزيمة الارهاب لن تكون فقط بالقوة العسكرية* ولكن أيضا بمحاربة الأفكار التي تغذيه». ان هذا المضمون الذي تحدث عنه رامسفيلد نجده بلغة مماثلة في خطاب بوش عن الديمقراطية* وهو الذي اعتبر ان عدم تشجيع أمريكا على نشر الديمقراطية في الماضي* وتشجيعها لأنظمة استبدادية على مدى 60 عاما قد أفرز بيئة مغذية لنزعات التطرف والإرهاب الموجه ضد أمريكا. ومن خلال قراءة خطاب بوش الأخير* يتضح لنا* انه إعادة إنتاج للرؤية التي تبنتها إدارته في أعقاب أحداث 11 سبتمبر* والتي حاولت الإجابة على تساؤل: لماذا يكرهوننا في العالمين العربي والإسلامي؟ وهي رؤية كانت ومازالت قاصرة عن فهم الأسباب الحقيقية لكراهية السياسة الأمريكية في المنطقة العربية* إذ انها تتبنى مفاهيم وتصورات صهيونية* تحاول تبرئة اسرائيل والانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل من مشاعر الغضب العربية والإسلامية تجاه السياسات الأمريكية في المنطقة. فخطاب بوش لم يتحدث أبدا عن ان أخطاء السياسة الأمريكية في دعم السياسات العدوانية لإسرائيل على مدى أكثر من 50 عاما كانت وراء النظر لأمريكا وإسرائيل على انهما يمثلان شيئا واحدا حتى ان الصورة السائدة في العقلية العربية والإسلامية ان إسرائيل باتت تمثل «ولاية أمريكية«* ولكنها الولاية التي تتحكم في صناعة القرار السياسي الأمريكي تجاه العرب والمسلمين. ومن هنا* يمكن القول* ان خطاب بوش عن الديمقراطية هو محاولة جديدة من قبل إدارة بوش للهروب من مواجهة الحقائق* والبحث عن ذرائع لتنفيذ سياساتها الاستعمارية في المنطقة الرامية إلى بسط وفرض الهيمنة الأمريكية-الصهيونية على كافة شئون المنطقة العربية. ورغم ان الديمقراطية تمثل حلما تهفو إليه نفوس غالبية الشعوب العربية والإسلامية* لكن الأمر المؤكد ان هذه الشعوب لن تكون مرتاحة لأن تأتي الدعوة لتطبيق الديمقراطية من قبل حليف العدو الصهيوني الذي يحتل الأراضي العربية ويحاول تهويد القدس* ولابد ان الشكوك سوف تنتابهم حيال حقيقة النوايا الأمريكية من وراء هذه الدعوة لتبني الديمقراطية وهناك أسباب كثيرة تدفع المتابعين للسياسة الأمريكية الى التشكك في مصداقية خطاب بوش وطروحاته عن نشر الديمقراطية في العالمين العربي الإسلامي* وهو ما يمكن بلورته في الآتي: أولا: إن إدارة بوش لم تعد تحظى بأية مصداقية في الشارعين العربي والإسلامي* بعد حملتها الضاربة ضد الإسلام والمسلمين في أعقاب أحداث 11 سبتمبر* وجعلها العرب والمسلمين هدفا لما سمي «الحرب ضد الإرهاب». وقد تزايدت الشكوك والكراهية حيال إدارة بوش والسياسة الأمريكية بعد شنها للعدوان على العراق واحتلال أراضيه من دون أي غطاء من الشرعية الدولية ووسط رفض عالمي مشهود* وخصوصا بعد ان تكشفت أكاذيب الدعاية الأمريكية لتبرير الحرب بدعوى امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل* سرعان ما ثبت ان العراق لم يكن يمتلك شيئا منها* مما زاد من مصداقية الاعتقاد السائد ان الحرب شنت لأهداف استعمارية هدفها السيطرة على موارد النفط العراقي من جهة* وتحطيم القوة العراقية من ناحية أخرى بهدف تعزيز قوة وأمن إسرائيل في المنطقة والإمعان في اضعاف العرب. وقد تضاعف فقدان إدارة بوش للثقة والمصداقية في ضوء الانحياز المطلق والتأييد الأتوماتيكي الأعمى للحرب الشارونية الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني* وفوق ذلك سرعة تراجع إدارة بوش عن مساندة «خطة خريطة الطريق» لتسوية القضية الفلسطينية وسماحها لشارون باغتيال وإفشال هذه الخطة* والمضي قدما في بناء الجدار العنصري العازل الذي يهدف إلى إلتهام الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والحيلولة من دون قيام دولة فلسطينية.
وهو الأمر الذي يناقض رؤية بوش ذاته التي يتباهى بها كثيرا في اقامة دولة فلسطينية بحلول عام 2005* من دون ان يحرك ساكنا لمنع اسرائيل- شارون من تدمير أية إمكانية مستقبلية لإقامة هذه الدولة الفلسطينية. ومن هنا* فقد بات كل ما تطرحه إدارة بوش محل شك وعدم ثقة من قبل الغالبية العظمى للشعوب العربية والإسلامية* وأصبح ينظر إليه على انه يدخل في سياق برامج الدعاية والتضليل* أو انه يخفي نوايا وسياسات شريرة وراءه. ثانيا: ان الشعوب العربية والإسلامية ذات الذاكرة الحيّة* والعميقة الوعي بثقافة التاريخ* وخاصة تاريخ هذه المنطقة مع الاستعمار العربي* لديها تجارب مريرة مع الشعارات البراقة والدعايات الكاذبة التي تطرحها الدول الغربية في توجهاتها حيال المنطقة التي سرعان ما تفصح عن مخططات عدوانية هدفها «الإخضاع الاستعماري» فما تطرحه إدارة بوش عن نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي* واعتبار ذلك «مهمة رسالية» للسياسة الأمريكية في المنطقة* يذكرنا على الفور بالخطاب الدعائي الغربي عن «رسالة الرجل الأبيض في نشر الحضارة» التي طرحتها القوى الاستعمارية الكولونيالية الأوروبية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين* وانتهت الى فرض الاحتلال الأوروبي البريطاني والفرنسي والاسباني والإيطالي للبلدان العربية وإهدار حرية واستقلال هذه البلدان* وانتهت هذه الحقبة المريرة من تاريخ المنطقة بزرع الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي في فلسطين* وهي الجريمة التي مازالت المنطقة تدفع ويلاتها حتى يومنا هذا. ومن هنا* فان الشكوك العميقة تحيط بالأطروحات الأمريكية عن نشر الديمقراطية* والاعتقاد السائد هو ان «الديمقراطية» في الخطاب الأمريكي هي مجرد مطية أو أداة استعمارية على غرار «فكرة الحضارة» التي روجت لها القوى الاستعمارية الأوروبية من قبل* في حين ان الهدف الحقيقي من وراء طرح هذه الشعارات المضللة هو تحقيق أهداف استعمارية لنهب ثروات شعوب المنطقة واخضاع شعوبها للهيمنة الأمريكية-الصهيونية.
وليس هذا أمرا غريبا* في ضوء حقيقة ان الدوافع المحركة لسياسات إدارة بوش تحكمها توجهات المحافظين الجدد الموالين لاسرائيل* والذين يطرحون مشروعا لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم بالقوة العسكرية وجعل أمريكا نموذجا حديثا لهيمنة «الامبراطورية الرومانية العسكرية» على العالم القديم. ثالثا: ان الاعتقاد السائد هو أن ادارة بوش غير جادة بشأن أطروحاتها عن الديمقراطية في العالم العربي* وان خطاب بوش ما هو إلا محاولة لتعمية الرأي العام الأمريكي عما يجري من ورطة أمريكية في المستنقع العراقي* وما تتكبده أمريكا من خسائر يومية في الأرواح بسبب اشتداد ضراوة المقاومة العراقية. ومن هنا* فان إدارة بوش تحاول التغطية على فشلها الذريع في العراق واستمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار والافتقار إلى الأمن في العراق من ناحية* وفشلها الذريع في تطبيق «خطة خريطة الطريق» بين الفلسطينيين واسرائيل من ناحية أخرى. ولعل من أكثر ما يثير التناقض في خطاب بوش عن الديمقراطية هو استمراره في إثارة الغبار والتشكيك في قيادة ياسر عرفات للشعب الفلسطيني والمطالبة بتغييرها* في حين ان عرفات جاء بارادة شعبية عبر انتخابات شفافة ونزيهة جرت عام 1996 بإشراف أمريكي وأوروبي ولم يشكك فيها أحد* وبأغلبية تتجاوز الـ70% من أصوات الشعب الفلسطيني. وهي نسبة لا شك عالية جدا في العرف الديمقراطي* حتى ان بوش نفسه لا يتمتع بذات الشرعية التي يتمتع بها عرفات* فقد انتخب بوش بنسبة تتجاوز الـ50% بأصوات قليلة جدا* وفي انتخابات مازالت الشكوك تحيط بمدى مصداقيتها وشرعيتها. فكيف لبوش ان يتوقع ان تحظى أحاديثه عن الديمقراطية بأي احترام في المنطقة العربية* وهو يدعو لاسقاط رئيس منتخب ديمقراطيا ألا يشكل ذلك تناقضا بين القول والفعل* يضعف طروحات بوش من أساسها! ولعل ذلك* ما أكده من جهة أخرى* مسئول أمريكي سابق بارز هو مارتن انديك مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط عندما اعتبر خطابه بانه «مجرد كلام للاستهلاك المحلي» أي ان الهدف الحقيقي لبوش هو الداخل الأمريكي والناخب الأمريكي عبر محاولة الزعم بأن ما تشنه أمريكا من حروب في الشرق الأوسط ويكبد دافع الضرائب الأمريكي تكاليف باهظة انما هدفه «رسالة سامية لنشر الديمقراطية»* والهدف الواضح لذلك التغطية على الفشل وإلهاء الشعب الامريكي بدعاية مضللة لا تجعله يدرك العواقب الوخيمة لاخطاء السياسة الخارجية لإدارة بوش. ولعل ما يؤكد ما قاله مارتن انديك ان خطاب بوش هو «مجرد كلام» ان بوش لم يتحدث عن برامج محددة أو مخصصات مالية لدعم الديمقراطية في المنطقة. رابعا: ان خطاب بوش عن الديمقراطية قد أثار المخاوف مجددا في عموم المنطقة من النوايا والمخططات الأمريكية القادمة* فقد اعتبر كثير من المراقبين والمحللين ان خطاب بوش هو تمهيد جديد لحرب أمريكية جديدة في المنطقة وبالذات ضد سوريا أولا ثم ربما ضد ايران* وقد دل على ذلك التهديدات المبطنة التي وجهت إلى سوريا* وذلك من خلال تعمد بوش تشبيه النظام السوري بنظام صدام واتهامه بالديكتاتورية* مما يشير إلى نوايا مبيتة لشن العدوان على سوريا بدعوى اسقاط «الديكتاتورية» وإقامة نظام ديمقراطي بديل* وهو ما تؤكده شواهد أخرى تتمثل في الغارة الاسرائيلية ضد سوريا التي حظيت بتأييد أمريكي غير مسبوق. وهناك أيضا تصويت الكونجرس الأمريكي لفرض عقوبات ضد سوريا في إطار قانون ما سمي «محاسبة سوريا»* وهي خطوات تعكس توجها للتحرك عسكريا ضد سوريا عبر استغلال للوجود العسكري الأمريكي في العراق المجاور* وخاصة ان الاتهامات الأمريكية لسوريا بتسهيل تسريب عناصر المقاتلين والمقاومين العرب الى داخل العراق* هي اتهامات لم تنقطع* ومعها لم تنقطع التحذيرات والتهديدات الأمريكية لدمشق. ومن جانب آخر* فان خطاب بوش يعكس تغيرا محدودا في توجهات المحافظين الجدد بشأن التعامل مع الأنظمة السياسية العربية الحاكمة. فبعد ان كانت أوساط المحافظين الجدد الموالين لاسرائيل تتحدث قبل غزو العراق* عن مخططات لاسقاط معظم الأنظمة الحاكمة في المنطقة بدعوى الحاجة لإقامة نظم جديدة تتوافق مع السياسة الأمريكية ولا تؤدي سياساتها إلى خلق بيئات مواتية لنمو ووجود التيارات المتطرفة والإرهابية* فان الملاحظ ان بوش أبدى استعدادا للتعامل مع الأنظمة القائمة بشرط تجاوبها مع الرؤى والمطالب الأمريكية بشأن نشر الديمقراطية* مثل تغيير مناهج التعليم والسياسات الإعلامية وتقليص حدة الانتقادات للسياسة الأمريكية والتحريض ضد أمريكا واسرائيل. وهنا يتضح ان إدارة بوش تستخدم «القفاز الأمريكي» كأداة ابتزاز وضغط ضد هذه الأنظمة العربية التي عليها ان تتجاوب مع الضغوط والاملاءات الأمريكية تجنبا لمواجهات عاصفة وأزمات حادة مع إدارة بوش المتطرفة* وتفادي ان تتعرض لحملات تشويه سياسية واعلامية على غرار التي تعرضت لها من قبل كل من السعودية ومصر.
عندما ألقى الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش يوم الخميس الماضي 6 نوفمبر 2003م خطابه أمام «المعهد أو الصندوق الوطني للديمقراطية» بواشنطون* وهي هيئة تشكل أحد معاقل المحافظين الجدد الموالين لإسرائيل والذين يهيمنون على صناعة القرار السياسي في إدارة بوش* وهو الخطاب الذي أعلن فيه تبني إدارته لخطة طويلة الأمد تمتد حتى عام 2025 من أجل نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط وبلدان العالم العربي والإسلامي* تذكرت على الفور المذكرة السرية التي وزعها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد على كبار العسكريين في البنتاجون وكشف النقاب عنها في 22 اكتوبر 2003م* التي دعا فيها الى إحداث تغيير سياسي من أجل النجاح في «الحرب ضد الإرهاب»* وذلك عبر التركيز على «حرب الأفكار وكسب العقول والقلوب». فقد أدركت على الفور أن حديث بوش المعسول المفعم بالوعود واللغة الدعائية ليس إلا جزءا من التحرك الجديد للمحافظين الجدد لإكساب حربهم ضد الإرهاب* والمستهدف فيها العالم العربي والإسلامي* زادا أو مددا ومبررات جديدة عبر محاولة التركيز على «حرب الأفكار وكسب العقول والقلوب» كما جاء في مذكرة رامسفيلد التي صاغها له المحافظون الجدد الذين يهيمنون على إدارة البنتاجون. وكان رامسفيلد قد دعا الى إقامة وكالة معلومات تابعة للحكومة الأمريكية للمساعدة في شن «معركة العقول»* باعتبارها ضرورة في الحملة ضد الإرهاب. واعتبر رامسفيلد في حينه «ان هزيمة الارهاب لن تكون فقط بالقوة العسكرية* ولكن أيضا بمحاربة الأفكار التي تغذيه». ان هذا المضمون الذي تحدث عنه رامسفيلد نجده بلغة مماثلة في خطاب بوش عن الديمقراطية* وهو الذي اعتبر ان عدم تشجيع أمريكا على نشر الديمقراطية في الماضي* وتشجيعها لأنظمة استبدادية على مدى 60 عاما قد أفرز بيئة مغذية لنزعات التطرف والإرهاب الموجه ضد أمريكا. ومن خلال قراءة خطاب بوش الأخير* يتضح لنا* انه إعادة إنتاج للرؤية التي تبنتها إدارته في أعقاب أحداث 11 سبتمبر* والتي حاولت الإجابة على تساؤل: لماذا يكرهوننا في العالمين العربي والإسلامي؟ وهي رؤية كانت ومازالت قاصرة عن فهم الأسباب الحقيقية لكراهية السياسة الأمريكية في المنطقة العربية* إذ انها تتبنى مفاهيم وتصورات صهيونية* تحاول تبرئة اسرائيل والانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل من مشاعر الغضب العربية والإسلامية تجاه السياسات الأمريكية في المنطقة. فخطاب بوش لم يتحدث أبدا عن ان أخطاء السياسة الأمريكية في دعم السياسات العدوانية لإسرائيل على مدى أكثر من 50 عاما كانت وراء النظر لأمريكا وإسرائيل على انهما يمثلان شيئا واحدا حتى ان الصورة السائدة في العقلية العربية والإسلامية ان إسرائيل باتت تمثل «ولاية أمريكية«* ولكنها الولاية التي تتحكم في صناعة القرار السياسي الأمريكي تجاه العرب والمسلمين. ومن هنا* يمكن القول* ان خطاب بوش عن الديمقراطية هو محاولة جديدة من قبل إدارة بوش للهروب من مواجهة الحقائق* والبحث عن ذرائع لتنفيذ سياساتها الاستعمارية في المنطقة الرامية إلى بسط وفرض الهيمنة الأمريكية-الصهيونية على كافة شئون المنطقة العربية. ورغم ان الديمقراطية تمثل حلما تهفو إليه نفوس غالبية الشعوب العربية والإسلامية* لكن الأمر المؤكد ان هذه الشعوب لن تكون مرتاحة لأن تأتي الدعوة لتطبيق الديمقراطية من قبل حليف العدو الصهيوني الذي يحتل الأراضي العربية ويحاول تهويد القدس* ولابد ان الشكوك سوف تنتابهم حيال حقيقة النوايا الأمريكية من وراء هذه الدعوة لتبني الديمقراطية وهناك أسباب كثيرة تدفع المتابعين للسياسة الأمريكية الى التشكك في مصداقية خطاب بوش وطروحاته عن نشر الديمقراطية في العالمين العربي الإسلامي* وهو ما يمكن بلورته في الآتي: أولا: إن إدارة بوش لم تعد تحظى بأية مصداقية في الشارعين العربي والإسلامي* بعد حملتها الضاربة ضد الإسلام والمسلمين في أعقاب أحداث 11 سبتمبر* وجعلها العرب والمسلمين هدفا لما سمي «الحرب ضد الإرهاب». وقد تزايدت الشكوك والكراهية حيال إدارة بوش والسياسة الأمريكية بعد شنها للعدوان على العراق واحتلال أراضيه من دون أي غطاء من الشرعية الدولية ووسط رفض عالمي مشهود* وخصوصا بعد ان تكشفت أكاذيب الدعاية الأمريكية لتبرير الحرب بدعوى امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل* سرعان ما ثبت ان العراق لم يكن يمتلك شيئا منها* مما زاد من مصداقية الاعتقاد السائد ان الحرب شنت لأهداف استعمارية هدفها السيطرة على موارد النفط العراقي من جهة* وتحطيم القوة العراقية من ناحية أخرى بهدف تعزيز قوة وأمن إسرائيل في المنطقة والإمعان في اضعاف العرب. وقد تضاعف فقدان إدارة بوش للثقة والمصداقية في ضوء الانحياز المطلق والتأييد الأتوماتيكي الأعمى للحرب الشارونية الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني* وفوق ذلك سرعة تراجع إدارة بوش عن مساندة «خطة خريطة الطريق» لتسوية القضية الفلسطينية وسماحها لشارون باغتيال وإفشال هذه الخطة* والمضي قدما في بناء الجدار العنصري العازل الذي يهدف إلى إلتهام الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والحيلولة من دون قيام دولة فلسطينية.
وهو الأمر الذي يناقض رؤية بوش ذاته التي يتباهى بها كثيرا في اقامة دولة فلسطينية بحلول عام 2005* من دون ان يحرك ساكنا لمنع اسرائيل- شارون من تدمير أية إمكانية مستقبلية لإقامة هذه الدولة الفلسطينية. ومن هنا* فقد بات كل ما تطرحه إدارة بوش محل شك وعدم ثقة من قبل الغالبية العظمى للشعوب العربية والإسلامية* وأصبح ينظر إليه على انه يدخل في سياق برامج الدعاية والتضليل* أو انه يخفي نوايا وسياسات شريرة وراءه. ثانيا: ان الشعوب العربية والإسلامية ذات الذاكرة الحيّة* والعميقة الوعي بثقافة التاريخ* وخاصة تاريخ هذه المنطقة مع الاستعمار العربي* لديها تجارب مريرة مع الشعارات البراقة والدعايات الكاذبة التي تطرحها الدول الغربية في توجهاتها حيال المنطقة التي سرعان ما تفصح عن مخططات عدوانية هدفها «الإخضاع الاستعماري» فما تطرحه إدارة بوش عن نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي* واعتبار ذلك «مهمة رسالية» للسياسة الأمريكية في المنطقة* يذكرنا على الفور بالخطاب الدعائي الغربي عن «رسالة الرجل الأبيض في نشر الحضارة» التي طرحتها القوى الاستعمارية الكولونيالية الأوروبية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين* وانتهت الى فرض الاحتلال الأوروبي البريطاني والفرنسي والاسباني والإيطالي للبلدان العربية وإهدار حرية واستقلال هذه البلدان* وانتهت هذه الحقبة المريرة من تاريخ المنطقة بزرع الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي في فلسطين* وهي الجريمة التي مازالت المنطقة تدفع ويلاتها حتى يومنا هذا. ومن هنا* فان الشكوك العميقة تحيط بالأطروحات الأمريكية عن نشر الديمقراطية* والاعتقاد السائد هو ان «الديمقراطية» في الخطاب الأمريكي هي مجرد مطية أو أداة استعمارية على غرار «فكرة الحضارة» التي روجت لها القوى الاستعمارية الأوروبية من قبل* في حين ان الهدف الحقيقي من وراء طرح هذه الشعارات المضللة هو تحقيق أهداف استعمارية لنهب ثروات شعوب المنطقة واخضاع شعوبها للهيمنة الأمريكية-الصهيونية.
وليس هذا أمرا غريبا* في ضوء حقيقة ان الدوافع المحركة لسياسات إدارة بوش تحكمها توجهات المحافظين الجدد الموالين لاسرائيل* والذين يطرحون مشروعا لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم بالقوة العسكرية وجعل أمريكا نموذجا حديثا لهيمنة «الامبراطورية الرومانية العسكرية» على العالم القديم. ثالثا: ان الاعتقاد السائد هو أن ادارة بوش غير جادة بشأن أطروحاتها عن الديمقراطية في العالم العربي* وان خطاب بوش ما هو إلا محاولة لتعمية الرأي العام الأمريكي عما يجري من ورطة أمريكية في المستنقع العراقي* وما تتكبده أمريكا من خسائر يومية في الأرواح بسبب اشتداد ضراوة المقاومة العراقية. ومن هنا* فان إدارة بوش تحاول التغطية على فشلها الذريع في العراق واستمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار والافتقار إلى الأمن في العراق من ناحية* وفشلها الذريع في تطبيق «خطة خريطة الطريق» بين الفلسطينيين واسرائيل من ناحية أخرى. ولعل من أكثر ما يثير التناقض في خطاب بوش عن الديمقراطية هو استمراره في إثارة الغبار والتشكيك في قيادة ياسر عرفات للشعب الفلسطيني والمطالبة بتغييرها* في حين ان عرفات جاء بارادة شعبية عبر انتخابات شفافة ونزيهة جرت عام 1996 بإشراف أمريكي وأوروبي ولم يشكك فيها أحد* وبأغلبية تتجاوز الـ70% من أصوات الشعب الفلسطيني. وهي نسبة لا شك عالية جدا في العرف الديمقراطي* حتى ان بوش نفسه لا يتمتع بذات الشرعية التي يتمتع بها عرفات* فقد انتخب بوش بنسبة تتجاوز الـ50% بأصوات قليلة جدا* وفي انتخابات مازالت الشكوك تحيط بمدى مصداقيتها وشرعيتها. فكيف لبوش ان يتوقع ان تحظى أحاديثه عن الديمقراطية بأي احترام في المنطقة العربية* وهو يدعو لاسقاط رئيس منتخب ديمقراطيا ألا يشكل ذلك تناقضا بين القول والفعل* يضعف طروحات بوش من أساسها! ولعل ذلك* ما أكده من جهة أخرى* مسئول أمريكي سابق بارز هو مارتن انديك مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط عندما اعتبر خطابه بانه «مجرد كلام للاستهلاك المحلي» أي ان الهدف الحقيقي لبوش هو الداخل الأمريكي والناخب الأمريكي عبر محاولة الزعم بأن ما تشنه أمريكا من حروب في الشرق الأوسط ويكبد دافع الضرائب الأمريكي تكاليف باهظة انما هدفه «رسالة سامية لنشر الديمقراطية»* والهدف الواضح لذلك التغطية على الفشل وإلهاء الشعب الامريكي بدعاية مضللة لا تجعله يدرك العواقب الوخيمة لاخطاء السياسة الخارجية لإدارة بوش. ولعل ما يؤكد ما قاله مارتن انديك ان خطاب بوش هو «مجرد كلام» ان بوش لم يتحدث عن برامج محددة أو مخصصات مالية لدعم الديمقراطية في المنطقة. رابعا: ان خطاب بوش عن الديمقراطية قد أثار المخاوف مجددا في عموم المنطقة من النوايا والمخططات الأمريكية القادمة* فقد اعتبر كثير من المراقبين والمحللين ان خطاب بوش هو تمهيد جديد لحرب أمريكية جديدة في المنطقة وبالذات ضد سوريا أولا ثم ربما ضد ايران* وقد دل على ذلك التهديدات المبطنة التي وجهت إلى سوريا* وذلك من خلال تعمد بوش تشبيه النظام السوري بنظام صدام واتهامه بالديكتاتورية* مما يشير إلى نوايا مبيتة لشن العدوان على سوريا بدعوى اسقاط «الديكتاتورية» وإقامة نظام ديمقراطي بديل* وهو ما تؤكده شواهد أخرى تتمثل في الغارة الاسرائيلية ضد سوريا التي حظيت بتأييد أمريكي غير مسبوق. وهناك أيضا تصويت الكونجرس الأمريكي لفرض عقوبات ضد سوريا في إطار قانون ما سمي «محاسبة سوريا»* وهي خطوات تعكس توجها للتحرك عسكريا ضد سوريا عبر استغلال للوجود العسكري الأمريكي في العراق المجاور* وخاصة ان الاتهامات الأمريكية لسوريا بتسهيل تسريب عناصر المقاتلين والمقاومين العرب الى داخل العراق* هي اتهامات لم تنقطع* ومعها لم تنقطع التحذيرات والتهديدات الأمريكية لدمشق. ومن جانب آخر* فان خطاب بوش يعكس تغيرا محدودا في توجهات المحافظين الجدد بشأن التعامل مع الأنظمة السياسية العربية الحاكمة. فبعد ان كانت أوساط المحافظين الجدد الموالين لاسرائيل تتحدث قبل غزو العراق* عن مخططات لاسقاط معظم الأنظمة الحاكمة في المنطقة بدعوى الحاجة لإقامة نظم جديدة تتوافق مع السياسة الأمريكية ولا تؤدي سياساتها إلى خلق بيئات مواتية لنمو ووجود التيارات المتطرفة والإرهابية* فان الملاحظ ان بوش أبدى استعدادا للتعامل مع الأنظمة القائمة بشرط تجاوبها مع الرؤى والمطالب الأمريكية بشأن نشر الديمقراطية* مثل تغيير مناهج التعليم والسياسات الإعلامية وتقليص حدة الانتقادات للسياسة الأمريكية والتحريض ضد أمريكا واسرائيل. وهنا يتضح ان إدارة بوش تستخدم «القفاز الأمريكي» كأداة ابتزاز وضغط ضد هذه الأنظمة العربية التي عليها ان تتجاوب مع الضغوط والاملاءات الأمريكية تجنبا لمواجهات عاصفة وأزمات حادة مع إدارة بوش المتطرفة* وتفادي ان تتعرض لحملات تشويه سياسية واعلامية على غرار التي تعرضت لها من قبل كل من السعودية ومصر.